ابن إياس
51
نزهة الامم في العجائب والحكم
وجعلت حول تلك البركة أصناما من حجارة ملونة ، على صور الحيوانات من الوحش والطير والبهائم فكان كل جنس يأتي إلي صورته ويألفها فيؤخذ باليد وينتفع به . وعملت لولدها متنزها لأنه كان يحب الصيد ، فجعلت فيه مجالس مركبة على أساطين من مرمر مصفحا بالذهب ، مرصع بالجواهر والزجاج الملون ، وزخرفته بالتصاوير العجيبة والنقوش ، فكان الماء يطلع من فورات ، وينصب إلي أنهار قد صفحت الفضة تجرى إلي حدائق فيها بديع الفروشات ، وقد أقيم حولها تماثيل تصفر بأصناف اللغات ، وأرخت علي المجالس ستورا من ديباج ، واختارت لولدها من حسان بنات عمه وبنات الملوك وأزوجته ، وحولته إلى هذه الجنة ، وبنت حول تلك الجنة مجالس للوزراء والكهنة وأشراف أهل الصناعات ، فكانوا يرفعون إليه جميع ما يعملونه ، فإذا فرغوا من أعمالهم ، حمل إليهم الطعام والشراب . وكان ميلاطس تقلد الملك بعد أبيه [ ق 36 ب ] وهو صبي وكانت أمه مدبرة الملك - وهي حازمة مجربة - فأجرت الأمور على ما كانت عليه في حياة أبيه ، وأحسنت وعدلت في الرعية ، ووضعت عنهم بعض الخراج . وكانت أيامه سعيدة كلها في الخصب الكثير والسعة للناس والعدل . وكان له يوم يخرج فيه إلي الصيد ، ويرجع إلي جنته فيأمر لكل من معه بالجوائز والأطعمة ويجلس للنظر يوما في مصالح الناس وقضاء حوائجهم ، ويخلو يوما بنسائه . وكان ملكه ثلاث عشرة سنة فلما هلك من بعده فرسول بن قليمون بن أتريب فعمل منارا على بحر القلزم وعلي رأسه مرآة تجتذب [ بها ] المراكب إلي شاطىء البحر فلا يمكنها أن تبرح إلا أن تعشر ، فإذا عشرت سارت . ولما مات دفن خلف الجبل الأسود الشرقي ، وكان ملكا حكيما محبا للنجوم والعلوم والحكمة فعمل في أيامه درهم إذا ابتاع [ به ] صاحبه شيئا اشترط أن يزن له يبتاعه منه بوزن الدرهم ، ولا يطلب عليه زيادة فيغتر البائع بذلك ويقبل منه الشرط فإذا تم ذلك بينهما ، ووقع الوزن بالدرهم فيدخل قبالته جميع الأصناف [ ق 37 أ ] ولا تعد له ، وقد وجد هذا الدرهم في كنوزهم ، ثم في خزائن بني أمية وكان الناس يتعجبون . ووجدوا دراهم أخر قيل أنها عملت في وقته أيضا ، ومن شأن هذا الدرهم إذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ ذلك الدرهم وقبله وقال له : أذكر العهد وابتاع به ما أراد . فإذا أخذ